تقرير بحث البروجردي للسيد الخميني

39

لمحات الأصول

العلوم الانفعاليّة ، لا الفعليّة ، وهو تعالى علمه فعليّ ، فالمعلوم تابع للعلم ( 1 ) . وهذا الإشكال واضح الورود على ظاهر كلامه ، ولكن يمكن توجيهه بما لا يرد عليه . توضيحه : أنّ علّية كلّ مرتبة من مراتب نظام الكلّ لمرتبة تا لية منه ، إنّما تكون لخصوصيّة ذاتيّة فيها ، وهي غير مجعولة ، بل الجاعل أوجدها ، والخصوصيّة ذاتيّة ثابتة لها بلا جعل ، فما كان العلم بالنسبة إليه فعليّاً هو وجود النظام ، وأمّا كون المراتب ذات خصوصيّة ذاتيّة - أي خصوصيّة العلّية والمعلوليّة - فليس العلم بالنسبة إليها فعليّاً ، بل هو شبيهٌ بالانفعاليّ ، وتابعٌ للمعلوم ( 8 ) .

--> 1 - الحكمة المتعالية 6 : 384 - 385 . 8 - إنّه بعدما علم : أنّ التفويض - وهو استقلال الممكن في الإيجاد والفاعلية - والجبر - وهو سلب التأثير عن الموجود ، ومزاولته تعالى للأفعال والآثار مباشرة وبلا وسط - مستحيلان ، اتّضح سبيل الأمر بين الأمرين ، وهو كون الموجودات الإمكانية مؤثّرات ، لكن لا بالاستقلال ، وفيها الفاعلية والعلّية والتأثير ، لكن من غير استقلال واستبداد ، وليس في دار التحقّق فاعل مستقلّ سوى الله تعالى . وسائر الموجودات كما أنّها موجودات لا بالاستقلال ، بل روابط محضة ، ووجودها عين الفقر والتعلّق ، ومحض الربط والفاقة ، تكون في الصفات والآثار والأفعال كذلك ، فمع أنّها ذات صفات وآثار وأفعال ، لم تكن مستقلاّت في شيء منها ، كما تقدّم برهانه . فمن عرف حقيقة كون الممكن ربطاً محضاً ، عرف أنّ فعله مع كونه فعله ، فعل الله سبحانه ، فالعالم بما أنّه ربط صرف وتعلّق محض ، ظهور قدرة الله وإرادته وعلمه وفعله ، وهذا عين المنزلة بين المنزلتين والأمر بين الأمرين . ولعلّه إليه أشار في قوله - وهو الحقّ - : ( وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى ) ؛ حيث أثبت الرمي من حيث نفاه فقال : " رميت وما رميت " ؛ فإنّ الرمي كونه منه لم يكن بقوّته واستقلاله ، بل بقوّة الله وحوله . وقوله : ( وَمَا تَشَآءونَ إِلاّ أَنْ يَشَآءَ اللهُ ) فأثبت المشيّة لله من حيث كونها لهم ، لا بأن يكون المؤثّر شيئين أو فعلين بالاشتراك ، بل بما أنّ مشيّة الممكن ظهور مشيّته تعالى وعين الربط والتعلّق بها . ( الطلب والإرادة : 36 - 37 ) . ثمّ إنّ علمه وإرادته تعلّقا بالنظام الكوني على الترتيب العلّي والمعلولي ، ولم يتعلّقا بالعلّة في عرض معلوله ، وبالمعلول بلا وسط ؛ حتّى يقال : إنّ الفاعل مضطرّ في فعله ، فأوّل ما خلق الله تعالى هو حقيقة بسيطة روحانية ، بوحدتها كلّ كمال وجمال ، وجفّ القلم بما هو كائن ، وتمّ القضاء الإلهي بوجوده ، ومع ذلك ، لمّا كان نظام الوجود فانياً في ذاته ذاتاً وصفة وفعلاً ، يكون كلّ يوم هو في شأن . فمن عرف كيفية ربط الموجودات على ترتيب سببي ومسبّبي إليه تعالى يعرف أنّها - مع كونه ظهوره تعالى - تكون ذات آثار خاصّة ، فيكون الإنسان مع كونه فاعلاً مختاراً ظلَّ الفاعل المختار وفاعليته تعالى ( وَما تَشآءونَ إلاّ أنْ يَشآءَ الله ) . فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ تعلّق إرادته تعالى بالنظام الأتمّ ، لا ينافي كون الإنسان فاعلاً مختاراً ، كما أنّ كون علمه العنائي منشاءً للنظام الكياني لا ينافيه ، بل يؤكّده ، هذا . ( الطلب والإرادة : 65 ) . إرشاد : مع أنّ أثر كلّ ذي أثر وفعل كلّ فاعل ، منسوب إلى الله تعالى وإليها - كما عرفت - لكن خيراتها وحسناتها وكمالاتها وسعاداتها كلّها من الله ، وهو تعالى أولى بها منها ، وشرورها وسيّئاتها ونقائصها وشقاواتها ترجع إلى نفسها ، وهي أولى بها منه تعالى ؛ فإنّه تعالى لمّا كان صرف الوجود ، فهو صرف كلّ كمال وجمال ، وإلاّ يلزم عدم كونه صرفاً ، وهو يرجع إلى التركيب والإمكان ، فالخيرات كلّها مجعولات ، ومبدأ الجعل فيها هو الحقّ تعالى . والشرور التي في دار الطبيعة المظلمة ، من تصادمات الماديّات وضيق عالم الطبيعة ، وكلّها ترجع إلى عدم وجود أو عدم كما له ، والأعدام مطلقاً غير متعلَّقة للجعل ، بل المضافة منها من لوازم المجعول وتضايق دار البوار وتصادم المسجونين في سجن الطبيعة وسلاسل الزمان ، فكلّها ترجع إلى الممكن . فما أصابك من حسنة وخير وسعادة وكمال فمن الله ، وما أصابك من سيّئة وشرّ ونقص وشقاء فمن نفسك ، لكن لمّا كانت النقائص والشرور اللازمة للوجودات الإمكانية من قبيل الأعدام المضافة والحدود والماهيات ، كان لها وجود بالعرض ، وما كان كذلك فمن عند الله ، لكن بالعرض ، فالخيرات من الله بالذات ، ومنسوب إلى الممكنات بالعرض ، والشرور من الممكنات بالذات ، ومنسوب إليه تعالى بالعرض . فحينئذ يصحّ أن يقال : كلٌّ من عند الله ؛ فإنّه لولا الإيجاد والإفاضة وبسط الخيرات ، لم يكن وجود ولا حدّه ولا طبيعة ولا ضيقها ، ولعلّ تغيير الاُسلوب وتخلّل لفظة " عند " في قوله تعالى : ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) للإشارة إلى المجعولية بالعرض . ( الطلب والإرادة : 38 - 40 ) .